كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ومنها- ما روي عن النعمان بن بشير، وأبي هررة، وعلي، وأبي بكرة رضي الله عنهم مرفوعًا: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا قود إلا بحديدة» وفي بعض رواياته «كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش».
وقد حاول بعض من نصر هذا القول من الحنفية رد حجج مخالفيهم. فزعم أن رض النَّبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي بين الحجرين إنما وقع بمجرد دعوى الجارية التي قتلها. وأن ذلك دليل على أنه كان معروفًا بالإفساد في الأرض. ولذلك فعل به صلى الله عليه وسلم ما فعل.
ورد رواية ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس المتقدمة- بأنها مخالفة للروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وعيرهما: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على عاقلة المرأة لا بالقصاص.
قال البيهقي في السنن الكبرى بعد أن ذكر صحة إسناد الحجيث عن ابن عباس بالقصاص من المرأة التي قتلت الأخرى بمسطح كما تقدم ما نصه: إلا أن في لفظ الحديث زيادة لم أرها في شيء من طرق هذا الحديث، وهي قتل المرأة بالمرأة. وفي حديث عكرمة عن ابن عباس موصولًا، وحديث ابن طاوس عن أبيه مرسلًا، وحديث جابر وأبي هريرة موصولًا ثابتًا- أنه قضى بديتها على العاقلة. انتهى محل الغرض من كلان البيهقي بلفظه.
وذكر البيهقي أيضًا: أن عمرو بن دينار روجع في هذا الحديث بأن ابن طاوس عن أبيه على خلاف رواية عمرو، فقال للذي راجعه: شككتني.
وأجيب من قبل الجمهور عن هذه الاحتجاجات: بأن رضه رأسه اليهودي قصاص. ففي رواية ثابتة في الصحيحين وغيرهما: ن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله حتى اعترف بأنه قتل الجارية. فهو قتل قصاص باعتراف القاتل، وهو نص متفق عليه، صريح في محل النزاع، ولا سيما عند من يقول باستواء دم المسلم والكافر كالذمي كأبي حنيفة رحمه الله.
وأجابوا عن كون العمد من أفعال القلوب، وأنه لا يعلم كونه عامدًا إلا إذا ضرب بالآلة المعهودة للقتل- بأن المثقل كالعمود والصخرة الكبيرة من آلا القتل كالسيف. لأن المشذوخ راسه بعمود أو صخرة كبيرة يموت من ذلك حالًا عادة كما يموت المضروب بالسيف. وذلك يكفي من القرينة على قصد القتل.
وأجابوا عما ثبت من قضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم على عاقلة المرأة القاتلة بعمود أو حجر بالدية- من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه معارض بالرواية الصحيحة التي قدمناها عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث حمل ابن مالك وهو كصاحب القصة. لأن القاتلة والمقتولة زوجتاه- من كونه صلى الله عليه وسلم قضى فيها بالقصاص لا بالدية.
الثاني: ما ذذكره النووي في شرح مسلم وغيره قال: وهذا محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبًا. فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني. وهذا مذهب الشافعي والجماهير. اهـ كلام النووي رحمه الله.
قال مقيده عفا الله عنه: وهذا الجواب غير وجيه ندي: لأن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح: أنها قتلت بعمود فسطاط، وحمله على الصغير الذي لا يقتل غالبًا بعيد.
الثالث: هو ما ذكره ابن حجر في فتح الباري من أن مثل هذه المرأة لا تقصد غالبًا قتل الأخرى. قال ما نصه:
وأجاب من قال به- يعني القصاص في القتل بالمثقل- بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر، بحيث يقتل بعضه غالبًا ولا يقتل بعضه غالبًا. وطرد المماثلة في القصاص إنما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبًا.
وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يجب فيه القود لأنها لم يقصد مثلها وشرط القود العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه. انتهى كلام بان حجر بلفظه.
قال مقيده عفا الله عنه: والدليل القاطع على أن قتل هذه المرأة لضرتها خطأ في القتل شبه العمد. لقصد الضرب دن القتل بما لا يقتل غالبًا- تصريح الروايات المتفق عليها: بأن صلى الله عليه وسلم جعل الدية على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد بأجماع المسلمين.
وأحابوا عن حديث: «لا قود إلا بحديدة» بأنه لم يثبت.
قال البيهقي في السنن الكبرى بعد أن ساق طرقه عن النعمان بن بشير، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وعلي رضي الله عنهم ما نصه:
وهذا الحديث لم يثبت له إسناد، معلى بن هلال الطحان متروك، وسليمان بن أرقم ضعيف، ومبارك بن فضالة لا يحتج به، وجابر بن يزيد الجعفي مطعون فيه اهـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري في باب (إذا قتل بحجر أو عصا) ما نصه:
وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث: «لا قود إلا بالسيف» وهو حديث ضعيف أخرجه البزار، وابن عدي من حديث أبي بكرة. وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده: وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة. وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في: أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه.
واحتجوا أيضًا بالنهي عن المثلة، وهو صحيح ولكنه محمول عند الجمهور على غير المثلة في القصاص جمعًا بين الدليلين- انتهى الغرض من كلام بان حجر بلفظه.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار ما نصه: وذهبت العترة والكوفيون، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه- إلى أن الاقتصاص لا يكون إلا بالسيف. واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه، والزار، والطحاوي، والطرباني والبيهقي، بألفاظ مختلفة منها «لا قود إلا بالسيف». وأخرجه ابن ماجه أيضًا، والزار، والبيهقي من حديث أبي بكرة. وأخرجه الدارقطني، والبيهقي، من حدييث أبي هريرة. وأخرجه الدار قطني من حديث علي. أخرجه البيهقي، والطبراني من حديث ابن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلًا.
وهذه الطرق كلها لا تخلوا واحدة منها من ضعيف أو متروك. حتى قال أبو حاتك: حديث منكر. وق لعبد الحق وابم الجوزي: طرقه كلها ضعيفة. وقال البيهقي: لم يثبت له إسناد. انتهى محل الغرض من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى.
ولا شكل في ضعف هذا الحديث عند أهل العلم بالحديث. وقد حاول الشيخ ابن التركماني تقويته في حاشيته على سنن البيهقي بدعوى تقوية جابر بن يزيد الجعفي، ومبارك بن فضالة. مع أن جابرًا ضعيف رافضي، ومبارك يدلس تدليس التسوية.
قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي: هو القصاص مطلقًا في القتل عمدًا بمثقل كان أو بمحدد. لما ذكرنا من الأدلة، ولقوله جل وعلا: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ} [البقرة: 179] الآية. لأن القاتل يعمود أو صخرة كبيرة إذا علم أنه لا يقتص منه جرأه ذلك على القتل. فتنفي بذلك الحكمة المذكورة في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاة} [البقرة: 179] الآية. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة
- جمهور العلماء على أن السلطان الذي جعله الله في هذه الآية لولي المقتول ظلمًا يستلزم الخيار بين ثلاثة أشياء: وهي القصاص، والعفو على الدية جبرًا على الجاني، والعفو مجانًا في غير مقابل- وهو أحد قوله الشافعي.
قال النووي في شرح مسلم: وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سرين وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وعزاه بان حجر في الفتح إلى الجمهور. وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، والثوري رحمهم الله فقالوا: ليس للولي إلا القصاص، أو العفو مجانًا.
فلو عفا على الدية وقال الجامي: لا أرضى إلا القتل، او العفو مجانًا، ولا أرضى الدية. فليس لولي المقتول إلزامه الدية جبرًا.
واعلم أن الذين قالوا: إن الخيار للولي بين القصاص والدية اختلفوا في عين ما يوجبه القتل عمدًا إلى قولين: أحدهما- أنه القود فقط. وعليه فالدية بدل منه. والثاني: أنه أحد شيئينك هما القصاص والدية.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما لو عفا عن الجاني عفوًا مطلقًا، لم يصرح فيه بإرادة الدية ولا العفو عنها. فعلى أن الواجب عينا القصاص فإن الدية تسقط بالعفو المطلق. وعلى أن الواجب أحد الأمرين فإن الدية تلزم مع العفو المطلق. أما لو عفا على الدية فهي لازمة، ولو لم يرض الجاني عند أهل هذا القول. الخالف المذكور روايتان عن الشافعي، وأحمد رحمهما الله.
واحتج من قال: بأن الخيار بين القصاص والدية لولي المقتول بقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقتل» أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. لكن لفظ الترمذي: «إما أن تعفوا وإما أن يقتل» ومعنى «يفدى» في بعض الروايات، «ويودى» في بعضها: يأخذ الفداء بمعنى الدية. وقوله: «يقتل» بالبناء للفاعل: أي يقتل قاتل وليه.
قالوا: فها الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع، مصرح بأن ولي المقتلو مخير بين القصاص وأخذ الدية. وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء. وهذا الدليل قوي دلالة ومتنًا كما ترى.
واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]. قالوا: إن اله جلو علا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف} الآية. وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية، وهو دليل قرآني قوي أيضًا.
واحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا. كمالك وأبي حنيفة رحمهما الله بأدلة. منها ما قاله الطحاوي: وهو أن الحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم. «كتاب الله قصاص» فإنه حكم بالقصاص ولم يخير. ولو كان الخيار لأعلمهم النَّبي صلى الله عليه وسلم. إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما. فلما حكم بالقصاص وجب ان يحمل عليه قوله: «فهو بخير النظرين» أي ولي المقتول مخير بشرط ان يرضى الجاني أن يغرم الدية اهـ.
وتعقب ابن حجر في فتح الباري احتجاج الطحاوي هذا بما نصه: وتعقب بأنه قوله صلى الله عليه وسلم: «كتاب الله القصاص» إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود. فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني إذا طلب القود أجيب إليه. وليس فما ادعاه من تأخير البيان.
الثاني: ما ذكره الطحاوي أيضًا: من أنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقائل: رضيت ان تعطيني كذا على ألا أقتلك- ان القاتل لا يجبر على ذلك. ولا يؤخذ منه كرهًا، وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه.
الثالث: أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور: «فهو بخير النظرين..» الحديث جار مجرى الغالب فلا مفهوم مخالفة له. وقد تقرر في الأصول: أن النص إذا جرى علىلغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] الآية. لجرية على الغالب، وقد ذكرنا هذه المسالة في هذا الكتاب المبارك مرارًا.
وإيضاح ذلك في الحديث أن مفهوم قوله: «فهو بخير النظرين» أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعًا من إعطاء الدية- أنه يجبر على إعطائها. لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما. والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفدى بماله من القتل. وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول، وعقده في مراقي السعود بقوله في موانع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة:
أو جهل الحكم أو النطق انجلب ** للسؤال أو جري على الذي غلب

ومحل الشاهد قوله: أو جري على الذي غلب إلى غير ذلك من الأدلة التي احتجوا بها.
قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسالة: أنّ ولي المقتول هوالمخير بين الأمرين، فو اراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها. لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك، ودلالة الآية المتقدمة عليه، ولأن الله يقول: {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] الآية، ويقول: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} [البقرة: 195].
ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صونًا لماله للوارث- أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب، ويجبره على صون دمه بماله.
وما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له: أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك- يجاب عنه بأنه لو قال: أعطني الدية المقررة في قتل العمد فإن يجبر على ذلك. لنص الحديث، والآية المذكورين.
ولو قال له: أعطني كذا غير الدية لم يجبر.
لأنه طلب غير الشيء الذي أوجبه الشارع، والعلم عند الله تعالى.
المسألة الخامسة: جمهور العلماء على أن القتل له ثلاث حالات:
الأولى: العمد، وهو الذي فيه السلطان المذكور في الآية كما قدمنا.
والثانية: شبه العمد، والثالثة: الخطأ.
وممن قال بهذاك الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، وأحمد، والشافعي. ونقله في المغني عن عمر، وعلي رضي الله عنهما، والشعبي والنخعي، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثوري، وغيرهم.
وخالف الجمهورمالك رحمه الله فقال: القتل له حالتان فقط. الأولى: العمد والثانية: الخطأ. وما يسميه غيره شبه العمد جعله من العمد.